رفيق العجم
مقدمة 12
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
سفر الشام حذار من أن يطّلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي . . . ففارقت بغداد ، وفرّقت ما كان معي من المال ، ولم أدّخر إلا قدر كفاف ، وقوت أطفال . . . ثم دخلت الشام وأقمت به قريبا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة ، والرياضة والمجاهدة ، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق ، وتصفية القلب لذكر اللّه تعالى ، كما كنت حصلته من كتب الصوفية » « 1 » . وبقي على هذه العزلة ثم انتقل إلى بيت المقدس فالحجّ ثم عاد إلى العيال ، وبقي على هذا الشأن والترحال زهاء عشر سنين . حتى انكشف له أن طريق الصوفية هو الطريق إلى اللّه ، وهو أصوب الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق . وكرامات الأولياء بدايات الأنبياء . وفي هذه الطريقة تبدّت للغزالي المكاشفات والمشاهدات ، وترقّي الأحوال من مشاهدة الصور والأمثال ، إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق . وكل هذا الأمر يتمّ بالذوق ويتحقّق فيه ، ولا سبيل إلى بلوغه إلا لمن يسلك هذا السبيل ، ومن لم يرزق بالذوق لا ينال هذه الدرجة . ومن ثمّ خرج الإمام بنوع من الاستقرار وخلاصة يقين حين رسم درجات المعرفة التي حيّرته وأربكت نفسه ، وخاض في ميادينها تجربة روحية وجسدية ليقول إن : « التحقيق بالبرهان علم ، وملابسة عين تلك الحالة ذوق ، والقبول من التسامع والتجربة بحسن الظنّ إيمان » « 2 » . ويتابع الغزالي رحلته النفسية فيعرض لكيفية عودته إلى التدريس وممارسة الحياة الطبيعية ثم العمل فترة على الانزواء والخلوة إلى أن ترك بغداد وانعزل مع نفسه بقيّة العمر في دارته كما ذكرنا متفرغا لنشر العلم . 3 - عصر الغزالي عاش الغزالي كما ذكرنا في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري ، أي في الفترة المتأخّرة من الخلافة العباسية ، والتي اتّسمت بكثرة الأحداث وتضارب النزاعات والاتجاهات ، مع اتّساع الرقعة وضخامة تبعات الملك ، يضاف إلى ذلك تصارع أهل الفرق وتيارات العلماء ، مع ما رافق ذلك من اضطراب وخلل في كيان الدولة والمجتمع ، نتج عن غلبة المصالح على الدين ، وتغليب العصبيات لدى الشعوب الإسلامية الكثيرة التي فاقت العرب عددا وأنواعا . وقد
--> ( 1 ) المرجع ذاته ، ص 81 - 82 . ( 2 ) المرجع ذاته ، ص 84 .